
أحمد المغاري
حكاية ملاك
حين أصبحتُ أبًا في زمن الحرب — مذكرات أبٍ من غزة عن الحرب والفقدان والمسؤولية والأمل
ليس هذا كتابًا عن الحرب وحدها؛ إنه كتاب عن طفلة حاولت أن تحتفظ بطفولتها، وعن أب وجد نفسه مسؤولًا عن حياة كاملة بعد أن فقد كل السند الذي كان يعرفه.
يروي أحمد المغاري بصدق وبساطة أيام النزوح والجوع والانتظار، وضحكة ملاك على المرجيحة، ورسوماتها على الرمل، ودمية الدب التي كانت تنام في حضنها.
في جزأين، يجمع الكتاب بين مذكرات الأب ورسائله إلى ابنته عن أمها التي رحلت، والوعد الذي يكرره لها كل ليلة قبل النوم.
معاينة مجانية
مقدمة: لماذا أكتب؟
لا أعرف كيف يبدأ الإنسان كتابًا عن طفلته. هل يبدأ من يوم ولادتها؟ أم من اليوم الذي فقد فيه أمها؟ أم من اللحظة التي حملها فيها وركض بها وسط القصف، وهو لا يعرف إن كان يركض نحو النجاة أم نحو مكان آخر من الخطر؟
أكتب لأن الأيام التي عشناها لا أريد لها أن تختفي وكأنها لم تكن. أكتب لأحفظ بعض التفاصيل الصغيرة التي قد يبتلعها الخوف والنزوح والانتظار. أكتب عن ملاك، لا باعتبارها حالة مرضية أو اسمًا في تقرير طبي، بل باعتبارها طفلة كانت ترسم على الرمال، وتضحك على المرجيحة، وتنام وهي تحتضن دمية دب صغيرة.
لا أريد أن أضيف إلى قصتها شيئًا لم يحدث، ولا أن أستخدم كلمات أكبر من قدرتها على الاحتمال. ما سأرويه هو ما أتذكره، وما عشته معها، وما ورد في التقارير الطبية التي نملكها. قد أنسى ترتيب بعض الأيام، فالحرب تجعل الوقت متشابهًا، لكنني لن أنسى ما تركه كل يوم في قلب ملاك وفي قلبي.
هذا ليس كتابًا عن الحرب وحدها. إنه كتاب عن طفلة حاولت أن تحتفظ بطفولتها، وعن أب وجد نفسه مسؤولًا عن حياة كاملة بعد أن فقد كل السند الذي كان يعرفه.
الفصل الأول: قبل أن أعرف معنى الخوف
قبل الحرب، كنت أظن أن مسؤولية الأب تبدأ من توفير الطعام والملابس، ومن متابعة صحة طفلته وتعليمها وحمايتها من الأشياء التي يخاف منها الناس عادة. لم أكن أعرف أن المسؤولية قد تعني أن تصبح أنت البيت، والطريق، والدواء، واليد التي تحمل، والصوت الذي يهدّئ، والشخص الوحيد الذي يجب أن يبدو قويًا حتى عندما لا يبقى داخلك شيء من القوة.
كانت ملاك صغيرة عندما بدأت أتعلمها. كنت أراقب طريقة نومها، وهدوءها عندما تسمع صوتًا تعرفه، وتغيّر ملامحها عندما تجوع أو تتعب. كنت أفرح بأشياء لا يلاحظها أحد: حركة يدها، نظرة طويلة إلى صورة في الهاتف، ابتسامة تأتي من دون سبب واضح.
كانت أمها قريبة منها، وكان وجودها يمنح البيت توازنًا لا أشعر بقيمته إلا بعد أن فقدته. لم يكن بيتنا غنيًا، لكنه كان بيتًا. كانت هناك أصوات يومية، وأحاديث عادية، وأشياء صغيرة تجعل الإنسان يعتقد أن الغد يشبه اليوم.
لم نكن نعرف أن كل ما نعتبره عاديًا يمكن أن يصبح أمنية. أن ينام الطفل من دون صوت انفجار. أن تشتري له علبة حليب من دون أن تبحث طويلًا. أن تجلس الأسرة كلها حول مكان واحد من دون أن ينقص منها أحد.
الفصل الثاني: طفلة ترسم على الرمل
كانت ملاك تحب أن تكتب أي شيء على الأرض. لم تكن تحتاج دائمًا إلى دفتر أو جدار. عندما لا تتوفر الأوراق والأقلام، كانت تكتفي بالرمال أو التراب، وترسم عليهما بعفوية طفلة تخلق عالمها الخاص من أبسط ما حولها.
كنت أراها تنحني فوق الأرض، تمسك شيئًا صغيرًا، وتترك خطوطًا لا أعرف معناها كلها. ربما كانت تكتب، وربما كانت ترسم، وربما كانت تفعل الأمرين معًا بطريقتها. بالنسبة إليها، لم تكن الأرض مجرد تراب. كانت دفترًا مفتوحًا لا ينفد.
حتى عندما كنا نتمكن من شراء ورقة وقلم، كان ثمنهما مرتفعًا في الظروف التي نعيشها. لذلك لم تكن تنتظر كثيرًا. كانت تستخدم ما حولها. تكتب على الرمل، ثم تأتي الريح أو تمر قدم فوق الرسم فيختفي. ومع ذلك، كانت تبدأ من جديد.
وكانت المرجيحة لعبتها المفضلة. عندما ألعب معها، كنت أسمع ضحكتها تخرج من قلبها. كانت ضحكة صادقة تجعلني أنسى، ولو للحظات، المرض والخوف ونقص الإمكانيات. كنت أدفع المرجيحة بيدي، وأراقبها وهي ترتفع قليلًا، ثم تعود نحوي.
في المساء، عندما يحين وقت النوم، كانت تأخذ صديقها الصغير، دمية الدب، وتضمّه بين ذراعيها حتى تغفو. لم تكن الدمية بالنسبة إليها مجرد لعبة. كانت رفيقًا صغيرًا يمنحها شيئًا من الأمان والحنان، في عالم بدأ يسحب من الأطفال كل ما يجعلهم يشعرون بالأمان.
رغم كل ما كان ينقصها، كانت ملاك تعرف كيف تفرح. كانت تجد السعادة في صورة على الهاتف، أو خط على الرمال، أو لحظة على المرجيحة، أو دمية ترافقها إلى النوم. وهذا ما أريد أن يعرفه كل من يقرأ قصتها: ملاك ليست مرضًا فقط. إنها طفلة تضحك وتبدع وتلعب وتحلم، وتستحق فرصة لحياة أكثر أمانًا وكرامة.
أكمل القراءة في النسخة الكاملة…
فهرس الفصول
- الفصل الأول: قبل أن أعرف معنى الخوف
- الفصل الثاني: طفلة ترسم على الرمل
- الفصل الثالث: الطريق من رفح إلى البريج
- الفصل الرابع: الصوت الذي غيّر كل شيء
- الفصل الخامس: لم يبقَ لنا سوى بعضنا
- الفصل السادس: سنة من الجوع
- الفصل السابع: أشياء صغيرة تشبه الحياة
- الفصل الثامن: جسد صغير يحمل ألمًا كبيرًا
- الفصل التاسع: بين الطبيب والانتظار
- الفصل العاشر: الطريق إلى فرصة
- الفصل الحادي عشر: ما أريده لملاك
- الفصل الأول: الفتاة التي رأيتها عائدة من جامعتها
- الفصل الثاني: عندما أخبرت أمكِ عن النظرة الأولى
- الفصل الثالث: الليلة التي رأيت فيها أمكِ كالملاك
- الفصل الرابع: الوعد الذي قطعته على نفسي قبل ولادتكِ
- الفصل الخامس: عندما أخبرت أمكِ باسمكِ
- الفصل السادس: الفرحة التي لم تسعني عندما حملتكِ
- الفصل السابع: أمكِ كانت ترى فيكِ ملامح أبيكِ
- الفصل الثامن: الملامح التي ورثتِها عن أمكِ
- الفصل التاسع: المرأة التي كانت تحب القرآن والهدوء والنظافة
- الفصل العاشر: عندما فتحت أمكِ أبوابنا للنازحين
- الفصل الحادي عشر: المحفظة التي أضعتها وكلمات أمكِ التي لم أنسها
- الفصل الثاني عشر: كنت أشارك أمكِ كل شيء
- الفصل الثالث عشر: الحركة التي كانت تجعلني أنام
- الفصل الرابع عشر: عندما أصبحت أبًا وأمًا في الوقت نفسه
- الفصل الخامس عشر: عندما كنتِ تنامين بين ذراعيّ
- الفصل السادس عشر: الأيام التي كنت أخرج فيها بحثًا عن الحليب والطعام
- الفصل السابع عشر: عندما لم أجد الحليب، كنت أحاول أن أطعمكِ ما أستطيع
- الفصل الثامن عشر: كنتِ تعرفينني من بين الجميع
- الفصل التاسع عشر: عندما بدأتِ تفهمين أن أباكِ يخرج بحثًا عن الطعام
- الفصل العشرون: عندما كنتِ تجمعين الحجارة
- الفصل الحادي والعشرون: عندما بدأتِ تمشين وتنادينني بابا
- الفصل الثاني والعشرون: عندما تمزقت خيمتنا في الشتاء
- الفصل الثالث والعشرون: الأيام التي لم يكن لدينا فيها خبز أو حليب
- الفصل الرابع والعشرون: عندما كنتِ تريدين الذهاب معي
- الفصل الخامس والعشرون: الوعد الذي كنت أكرره لكِ قبل النوم
- الفصل السادس والعشرون: عندما أصبحتِ تعرفين أن أمكِ رحلت
- الفصل السابع والعشرون: كانت تعرفني لأنني كنت أحكي لها كل شيء
- الفصل الثامن والعشرون: لم تكوني تعرفين أنني اخترتكِ منذ النظرة الأولى
- الفصل التاسع والعشرون: لماذا سميتكِ ملاكًا يا ابنتي؟
- الفصل الثلاثون: أمكِ احتضنتني عندما عرفت اسمكِ
- الفصل الحادي والثلاثون: أمكِ كانت تتمنى أن تشبهي أباكِ
- الفصل الثاني والثلاثون: الحركة التي ورثتها عن أبيها
- الفصل الثالث والثلاثون: لماذا أكتب لكِ هذه الحكاية؟